
.jpeg)
اسلام زوين
تخيل وجود شركة لتصنيع مضخات للنفط مُجهزة بأدوات استشعار تُراقب أداءها بشكل لحظي. ومن خلال الاتصال الرقمي، يُمكن للشركة جمع البيانات من هذه الأجهزة وتحليلها عن بُعد.
وباستخدام هذه البيانات، يُمكن للشركة التنبؤ بالوقت الذي قد تتعطل فيه المضخة، أو تحتاج فيه إلى صيانة، ثم وضع جدول زمني لهذه الإصلاحات المطلوبة بشكل مسبق.
كان تقديم هذه الخدمة في السابق يمثل أمرا صعبا، وذلك لأنها كانت تعتمد على الحضور الشخصي، أو زيارات الفنيين المتخصصين، أو عمليات الفحص اليدوية.
أما الآن، وبفضل عمليات الرقمنة واسعة النطاق للاقتصاد في المملكة العربية السعودية، أصبح بإمكان الشركة تقديم مثل هذه الخدمة عن بُعد للعملاء في الدول المجاورة، وعبر اتصالات آمنة بالإنترنت مع منصات مركزية تعمل من خلال التقنيات السحابية، وهو ما يقلل بالطبع من التكاليف المرتبطة بالزيارات الميدانية لتقديم مثل هذه الخدمات.

وقد استثمرت المملكة بكثافة في تطوير آليات قوية للاتصال بالإنترنت، وكذلك مراكز البيانات، ومشاريع المدن الذكية، مما أوجد أساساً صلباً لتقديم الخدمات الرقمية. وباتت هذه المعاملات المالية العابرة للحدود أو بالأحرى الصادرات الرقمية والتي تسهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في نهاية المطاف، جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الرقمي للبلاد.
ويقودنا هذا إلى تسليط الضوء على نماذج جديدة لتحقيق الإيرادات، والتي تجعل الاقتصاد الرقمي للمملكة فريدا بالفعل، والتي تتمثل في: الخدمات القائمة على النتائج، أو الخدمات القائمة على الاشتراك.
ففي حالة مثلا شركة نفطية تصدر خدمة الصيانة الرقمية المبنية على التنبؤ بالأعطال، يدفع لها العملاء بناءً على تحقيق نتائج محددة، أو مقاييس أداء بعينها. وبدلا من أن تفرض رسوما ثابتة، تح قق هذه الشركة إيرادات اعتماداً على مساهمتها في تقليل فترة الأعطال أو تجنبها أو زيادة الكفاءة التي يطلبها العملاء.

أما في الخدمات القائمة على الاشتراك، فيدفع العملاء (الذين قد يكونون مستوردين أجانب) رسوما منتظمة (شهريا، أو ربع سنويا، أو سنويا) للحصول على الخدمات الرقمية بشكل مستمر. كما يمكن استخلاص مثال آخر في المملكة العربية السعودية من قطاع الأمن السيبراني النشط؛ وتحديدا لشركة أمن سيبراني تُقدم منصة سحابية للكشف عن التهديدات التي تواجهها شركات التصنيع في بلدان مختلفة.
ونظرا لإمكانية تقديم الخدمات الرقمية عن بُعد عبر منصات الإنترنت، لا يحتاج العملاء في مختلف البلدان إلى استثمار كبير في البنية التحتية، أو تكبد تكاليف باهظة للإعداد الأولي لهذه الخدمات. وهذا يُسهّل على الشركات الأجنبية اعتماد هذه الخدمات المتاحة بالفعل، ودمجها في عملياتها دون الحاجة إلى استثمارات أولية كبيرة.

ولهذا السبب، خصصت المملكة العربية السعودية موارد ضخمة لتطوير شبكة رقمية عالمية المستوى، تشمل خدمات النطاق العريض عالي السرعة، ومرافق الحوسبة السحابية، وتقنيات المدن الذكية.
ومن خلال إقامة بنية تحتية رقمية قوية، لا تُسهّل المملكة تحولها الرقمي المحلي فحسب، بل تُرسّخ أيضا مكانتها كمركز تنافسي لصادرات الخدمات الرقمية الإقليميةو العالمية، مما يُتيح لها فرصا اقتصادية جديدة، ويسهم في دفع عجلة النمو المستدام في عصر الثورة الصناعية الرابعة.
تحليل من أرقام
بقلم شير ميهتا
أصبح قطاعا التكنولوجيا والاتصالات في المملكة العربية السعودية الأكبر والأسرع نمواً في المنطقة
أصبح قطاعا التكنولوجيا والاتصالات في المملكة العربية السعودية الأكبر والأسرع نمواً في المنطقة
مليار ريال سعودي
495
(132 مليار دولار أمريكي) في عام 2024، ليسهم بنسبة 15% في الناتج المحلي الإجمالي.
وهذه المساهمة الملحوظة للاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي تعيد تشكيل الهيكل الاقتصادي للمملكة العربية السعودية، وتعزز من وجود اقتصاد مرن ضد تقلبات أسعار النفط، وتؤدي دورا مهما في تنويع الاقتصاد، وتطوير قطاعات رئيسية مثل الصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والسياحة.

كما تسهم الحاجة المتزايدة لحلول تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) في النمو الاقتصادي للمملكة، وجذب المستثمرين الإقليميين والدوليين على حد سواء.
ومن الأمثلة البسيطة لتقنيات إنترنت الأشياء منظم الحرارة الذكي في المنزل، حيث يتصل هذا الجهاز الذكي بالإنترنت ويمكنه ضبط درجة الحرارة تلقائيا بناءً على تفضيلاتك، أو اختيارك لوقت محدد من اليوم، أو عندما تكون في المنزل أو في الخارج. ويمكنه كذلك معرفة جدولك الزمني، وتشغيل أجهزة التدفئة أو التبريد، أو إيقاف تشغيلها عن بُعد عبر تطبيق الهاتف الذكي، بالإضافة إلى معرفة وقت غيابك لتشغيل خاصية توفير الطاقة.
بلغ حجم قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المملكة
مليار دولار في عام 2024
43.5
وذلك وفقا لأحدث تقرير لرؤية 2030.
كما احتلت المملكة العربية السعودية المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، لعام 2024.
مليون اشتراك في تقنيات الاتصال بين الأجهزة - M2M
12.6
حيث يمثل كل اشتراك جهازا أو مجموعة من الأجهزة المتصلة معا بشبكة واحدة، ويمكنها إرسال أو استقبال البيانات تلقائيا من دون تدخل بشري.

تتميز هذه الأجهزة بوجود أدوات استشعار، وبرمجيات، وقدرات اتصال تُمكّنها من تبادل البيانات، وتنفيذ العمليات الآلية، وتنسيق الإجراءات.
وفر قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في المملكة
ألف وظيفة
381
من تلك التي تتطلب مهارات عالية، وتُمثل حوالي 3.5% من إجمالي القوى العاملة في المملكة، مما يُشير إلى تحول كبير في المهارات البشرية أيضا.

تصل نسبة مشاركة الإناث في القوى العاملة في مجال التكنولوجيا بالمملكة إلى
35%
مقارنة بنسبة 7% في عام 2017.
خدمات الإنترنت
- نسبة انتشار الإنترنت: بلغت 99% في عام 2023، مقارنة بـ 98.6% في عام 2022، و95.7% في عام 2019.
- نمت سعة مراكز البيانات في المملكة بنسبة 42% على أساس سنوي، لتصل إلى 290.5 ميجاوات.
التحول في قطاع تجارة التجزئة
تقدر قيمة سوق التجارة الإلكترونية في المملكة العربية السعودية، وفقا لمؤسسة "ريسيرتش آند ماركت" (Research and Market) للأبحاث، بنحو
مليار دولار أمريكي في عام 2024.
وقد بلغت معاملات التجارة الإلكترونية عبر بطاقات مدى الإلكترونية
مليار ريال سعودي (52.64 مليار دولار أمريكي) في عام 2024، بزيادة قدرها 25.8% على أساس سنوي.
إنفاق المستهلكين
- بلغ عدد المتاجر الإلكترونية المسجلة 40,953 متجرا إلكترونيا في عام 2024، بزيادة قدرها 10% على أساس سنوي.
-191 من مزودي الخدمات اللوجستية يدعمون منظومة التجارة الإلكترونية في المملكة، في عام 2024.
ويعكس هذا الارتفاع في مبيعات التجارة الإلكترونية عبر بطاقات مدى، بنسبة 25.8% على أساس سنوي، التحول السريع في المملكة العربية السعودية نحو اقتصاد غير نقدي، مدفوعاً بالأجهزة التي تدعم تقنية الاتصال قريب المدى (NFC)، والبنية التحتية الرقمية الآمنة وسهلة الاستخدام.

ثورة لوجستية
شهدت السنوات الأخيرة استثمارات كبيرة في مجال الخدمات اللوجستية وأتمتة المستودعات، كان أبرزها مشروع لتحديث وتطوير مرافق التخزين التابعة للبريد السعودي، بتكلفة تجاوزت مليار دولار أمريكي. وشمل ذلك المشروع مستودع توزيع كبير تديره شركة ستارلينكس، على مساحة تبلغ 400 ألف قدم مربع.
وهذا المستودع مزود بأكثر من 250 جهاز روبوت، ويعمل على أتمتة العمليات المختلفة، مثل فرز الطلبات، والتعبئة والتغليف، والشحن، مما يجعل عمليات تنفيذ الطلبات أسرع وأكثر كفاءة.
كما أصبحت التجارة الإلكترونية الآن ركيزة أساسية في منظومة تجارة التجزئة، وقطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية، حيث يتسوق 91% من المستهلكين عبر الإنترنت، ويجذب هذا القطاع استثمارات قياسية من رأس المال الجريء في الشركات الناشئة في مجال الخدمات اللوجستية، والدفع الإلكتروني، وخدمات التوصيل في المرحلة الأخيرة، وهي شركات متخصصة في إتمام الخطوة الأخيرة من عملية التوصيل، وهي توصيل البضائع من مركز للتوزيع، أو مستودع محلي، إلى باب منزل العميل مباشرة.
وغالبا ما تكون هذه المرحلة الأخيرة هي الأكثر تعقيدًا وتكلفة في سلاسل التوريد، لأنها تتضمن التنقل خلال إشارات المرور في المناطق الحضرية، وضمان التسليم في الوقت المحدد، وإدارة أسطول كبير من موظفي التوصيل، والمركبات التي يستخدمونها.
المجتمع غير النقدي المتنامي في المملكة
شهد القطاع المالي في المملكة تطورات كبيرة، بما في ذلك إطلاق الخدمات المصرفية الرقمية، ومن الجدير بالذكر أن بنك D360 أصبح ثالث بنك رقمي في المملكة العربية السعودية، مما يمثل انطلاقة كبيرة في مجال الابتكار في المصارف الرقمية.

بالإضافة إلى ذلك، تم دمج خدمة "سامسونج باي" Samsung Pay مع خدمة "مدى" الإلكترونية، مما أدى إلى تسريع اعتماد طرق الدفع اللاتلامسية في أنحاء المنطقة. ويمكن للمستهلكين الآن استخدام بطاقات مدى، وبطاقات الائتمان الأخرى، وخيارات الدفع المختلفة من خلال محفظة سامسونج لإجراء معاملات سلسة داخل المتاجر، وعبر الإنترنت، ومن خلال التطبيق. وقد قلل هذا الابتكار من الاعتماد على السيولة النقدية، وعزز من توفير الأمان والراحة في إجراء المدفوعات الرقمية.

وشهد نظام التكنولوجيا المالية أيضا نموا ملحوظا، فقد ارتفع عدد شركات التكنولوجيا المالية من 20 شركة في عام 2019 إلى 261 شركة في عام 2024، مما يعكس التوسع السريع في هذا القطاع الحيوي.
إنفاق المستهلكين
-
إنفاق المستهلكين عبر السحب من أجهزة الصراف الآلي (مليار ريال سعودي): 552.78 (2024)
-
إنفاق المستهلكين عبر نقاط البيع (مليار ريال سعودي): 668.18 (2024)
-
مبيعات التجارة الإلكترونية باستخدام بطاقات مدى (مليار ريال سعودي): 197.42 (2024)
-
إجمالي الإنفاق (مليار ريال سعودي): 1418.38 (2024)
(نقاط البيع " POS": يشير هذا المصطلح إلى إجمالي الإنفاق الذي ينفذه المستهلكون من خلال معاملات نقاط البيع، والتي عادةً ما تتضمن بطاقات الدفع، أو طرق الدفع الرقمية الأخرى في منافذ البيع بالتجزئة).
-
عدد البطاقات الإلكترونية الصادرة: 50.21 مليون بطاقة في عام 2024، مقارنةً بـ 47.76 مليون بطاقة في عام 2023، أي بزيادة بنسبة 5.12% على أساس سنوي. وعلى مدار فترة 5 سنوات (2020-2024)، ارتفع عدد البطاقات الصادرة بنسبة 46.21%.

قبل الموعد المحدد: الحوكمة الرقمية في المملكة العربية السعودية ترسي معايير عالمية

أحرزت المملكة العربية السعودية تقدماً ملحوظاً في مجال الحوكمة الرقمية، مما رسخ مكانتها كرائدة في مجال الخدمات الحكومية الرقمية على مستوى العالم، بل وتجاوزت المملكة أهداف رؤية 2030 قبل الموعد المحدد.
وقد احتلت المملكة المركز السادس عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية (2024). وقد قفزت 25 مرتبة؛ متجاوزةً بذلك الهدف الموضوع لعام 2024.
وبالإضافة إلى ذلك، احتلت المملكة المركز الأول إقليمياً، والثاني في دول مجموعة العشرين في مؤشر الخدمات الرقمية، والمركز الرابع عالمياً في تقديم الخدمات الإلكترونية. علاوة على ذلك، تحتل المملكة المركز السابع عالميا في مؤشر المشاركة الإلكترونية.

وقد بدأت المملكة العربية السعودية في بناء حكومتها الرقمية في وقت مبكر، من خلال مبادرات مثل منصة "أبشر"، مما ممهد الطريق نحو منظومة رقمية متطورة. وقد أعطت رؤية 2030 لهذه الجهود زخما جديدا من خلال إنشاء هيئة الحكومة الرقمية، وتحديث المنصات الرئيسية مثل منصة "توكلنا"، ومنصة "نفاذ"، وإطلاق الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لتوجيه استراتيجية الدولة في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي.
